
مناهل فيصل مدني تكتب/ محمد عبد الحي …. شاعر (الغابة والصحراء) الذي علمّنا كيف تصالح أنفسنا …. في ذكرى رحيله
في كل ذكرى رحيل، نعود لنبحث عن الذين تركونا جسداً وبقوا فكرة. واليوم نعود إلى رجل جمع بين قسوة المنفى الداخلي وصفاء اللغة. إلى شاعر حاول أن يجيب عن أصعب سؤال واجه السودان: “من نحن؟”
إنه *محمد عبد الحي (1944 – 1989)*… شاعر سوداني بارز، وأستاذ في الأدب المقارن، وأحد رواد التجديد في الشعر السوداني والعربي.
*1. النشأة: طفل المساحة الذي حمل الوطن في حقيبته*
ولد في الخرطوم في 11 أبريل 1944م، لأسرة عشقت التعليم. خاله سعد الدين فوزي أول عميد سوداني لكلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم، وجده لأمه شاعراً، ووالده مهندساً في مصلحة المساحة كثير الترحال.
كان ذلك الترحال نعمة. فالصبي محمد الذي تنقل مع والده بين أقاليم السودان المختلفة، خزن في ذاكرته “الغابة والصحراء” معاً. قالت عنه والدته عزيزة إسماعيل: “كان مولعاً بمجلات الأطفال ويكتب في الصحف الحائطية”. وعندما نهاه والده عن الشعر خوفاً على دراسته، كان يخفي دواوينه وسط كتبه المدرسية. حتى جاء جمال محمد أحمد سفير السودان بلبنان وأخبرهم: “المثقفون اللبنانيون يسألون عن محمد عبد الحي”.
تزوج من عائشة موسى السعيد ورُزق بأربعة أبناء.
*2. الانفجار: “العودة إلى سنار” وعمره 18 عاماً*
في عام 1963م، وهو طالب بجامعة الخرطوم، نشر قصيدته التي هزت الوسط الثقافي: *”العودة إلى سنار”*.
نُشرت في “الرأي العام” ثم في مجلتي “الشعر” المصرية و”شعر” اللبنانية.
كانت هذه القصيدة بمثابة إعلان ميلاد *”مدرسة الغابة والصحراء”*. مدرسة آمنت أن هوية السودان ليست عربية خالصة ولا أفريقية خالصة، بل هجين. وأن رأب صدع الوطن لا يكون بالبندقية، بل بالثقافة.
يقول فيها:
> افتحوا للعائد الليلة أبواب المدينة
> بدوي أنتَ؟.. لا
> من بلاد الزَنج؟ …لا
> أنا منكم. تائه عاد يغنِي بلسان
> ويصلَي بلسان
*3. الأستاذ والمثقف: الذي بنى قبل أن يكتب*
تخرج من جامعة الخرطوم 1967م. عُين *مساعد تدريس في شعبة اللغة الإنجليزية*، ثم صار *أستاذاً للأدب المقارن والأدب الإنجليزي* في مطلع السبعينيات. وظل في المحاضرة حتى آخر أيامه.
لكن عبد الحي لم يكن أستاذاً داخل القاعة فقط. كان مشروعاً ثقافياً كاملاً:
– *مؤس ورئيس تحرير “مجلة الآداب”* بكلية الآداب جامعة الخرطوم.
– *محرر الملحق الثقافي بصحيفة الرأي العام* مع يوسف عيدابي.
– *مقدم برنامج “أقنعة القبيلة”* بالإذاعة السودانية، الذي أعده بنفسه.
– *مترجم*: نقل “أغنية حب جيه. ألفرد بروفروك” لت. س. إليوت 1973م، وكتاب “أقنعة القبيلة: دراسة ومختارات من الشعر الأفريقي”.
– *باحث*: له كتاب “الرؤيا والكلمات” عن التجاني يوسف بشير، ودراسة عن السياسات الثقافية في السودان نشرتها اليونسكو.
*4. السياسي المثقف: مهرجان الثقافة*
انضم إلى *الاتحاد الاشتراكي السوداني* في عهد نميري، وهو ما أثار حوله جدلاً. لكنه استثمر ذلك الموقع ليبني لا ليهدم.
أنشأ *مركز ثقافة الطفل والثقافة الجماهيرية بالخرطوم*، ونظم *”مهرجان الثقافة”* الدوري الذي استضاف فيه عمالقة الشعر العربي: *محمود درويش، نزار قباني، أحمد مطر*.
*5. قصة الصمود: عندما مات ثم عاد ليكتب من جديد*
هنا تتوقف الكلمات.
في *1980م* أصيب بجلطة دماغية عنيفة. فقد الذاكرة. فقد اللغات كلها… حتى العربية. سافر إلى لندن وأجرى عملية قلب. وعاد ليبدأ من “ألف باء” من جديد. بإرادة حديدية عاد إلى الجامعة، وعاد أكثر تديناً.
في *1987م* في مانشستر أصابته جلطة ثانية سببت له شللاً.
وفي *يونيو 1989م* نُقل إلى مستشفى سوبا الجامعي بالخرطوم، ليرحل تاركاً لنا سؤالاً مفتوحاً.
*6. الإرث: دواوين ووجع*
ترك لنا دواوين: *”الله في زمن العنف”، “أقنعة القبيلة”، “حديقة الورد الأخيرة”*.
قال عنه النقاد: متأثر بالغرب. وقال آخرون: صوفي. وقال ثالث: أصولي تأثر بابن عربي. ونفى هو كل ذلك.
كان كل ما يريده أن نقول: نحن سودانيون… بلسانين، بقلبين، بثقافتين. ولا خلاص إلا بالجمع لا بالتغليب.
—
رحل محمد عبد الحي قبل أن يرى وطنه يطبق وصيته. رحل ولم يكتمل مشروع “الغابة والصحراء”.
لكن يبقى السؤال الذي طرحه في “سنار” معلقاً في الهواء:
*متى نفتح أبواب المدينة للعائد التائه الذي يغني بلسان ويصلي بلسان؟*
رحم الله محمد عبد الحي.



