مقالات

عارف حمدان يكتب/ بروف عبدالقادر سالم (شفق المدينة الريفي)

..انا مسافر…..
..وكثيرا ماكان يرددها الي كل معارفه ومحبيه فنعلم انه ذاهب الي مهرجان عالمي او منشط اقليمي رافعا اسم السودان وبين جوانحه يرفرف علمنا الحبيب وقد كان دائما ما يحرص علي وضعه في مقدمة بدلته دليلا علي خلود السودان رقم محنه في عميق وجدانه وصوته الاخاذ ينبع من رمال كردفان الخير فهو عصفور السلام الدائم….
ولكن …
و اه من لكن هذه التي اخافنا منها (صلاح احمد ابراهيم)…
فقد سافر عبدالقادر سالم هذه المرة سفرته الاخيرة الي خارج كوننا المعهود الي حيث الرقاد الابدي..
واذ اطل علي …
بيت (ابي العلاء المعري)..
..ضجعت الموت راحة يستريح الجسم فيها
..والعيش مثل السهاد…
…………………….
رحل البروف..
..عبدالقادر سالم…..
كما يحلو لي ان اناديه كلما التقينا خاصة في الاذاعة السودانية والتي هي الام الثانية لكل سوداني تمدد الوطن في وجدانه…فيقول
بتواضع الموسيقي الاسطوري …
يا استاذ عارف….
انا مجرد مطرب وبس…
………………
رحل الاستاذ الموسيقار البروف : عبدالقادر سالم ..رجل المبادرات والصلح والسلام وقضاء حوائج الفنانين والموسيقيين كلما المت بواحد منهم غاشيات الزمن العصيب..
هو الوحيد الذي تولي ادارة اتحاد الفنانين اكثر من مرة وحين رفض اعادوه انتخابا دون منافسة ..فالرجل الذي ظل طوال( ستين عاما )معلما ودارسا ومؤلفا موسيقيا ورحالة فنية بين الامم والشعوب حاملا مشعل الفن السوداني ..امن بان اجمل شئ في الوجود هو هذا السودان وشعبه شديد التنوع رائع التشكل لذلك لم يغادره (والكائنات الغريبة المسماة بالدعم السريع تتوعده) وحتي حينما اشتد عليه المرض نقل الي القاهرة ..وما ان احس بتيار الصحة يسري في الجسد الضعيف الذي انهكته خدمة الاخرين حتي حمل جراحه وعاد الي ام درمان رافضا كل الرجاءات ..فقلبه نبض في الدلنج ضلع كردفان ..لكنه توطن ام درمان حيث حي بانت مسكن الفؤاد ومثوي الروح وغرام الاحبة..وكانه كان يشعر ان اهله في حمد النيل ينتظرونه …
ياالله ايها النبيل المغلف تساميا وتواصلا لكل الناس عليك سلام الله…
…………………
للاستاذ الدكتور عبدالقادر سالم انتاج ضخم من الاغاني الحديثة والتراثية والمؤلفات واوراق العمل والابحاث العلمية في مجال تطوير الموسيقي ..
خاصة مؤلفاته
مثل الغناء والموسيقي التقليدية في كردفان
وكتاب الانماط الغنائية ودور المؤثرات البيئية في تشكيلها…
وهو يحمل درجة الدكتوراة في الموسيقي من جامعة السودان للعلوم والتكنلوجيا عن بحثه المهم جدا
الانماط الغنائية للموسيقي الكردفانية…وهو ابن فرقة فنون كردفان الشهيرة مع رفقائه ابراهيم موسي ابا وصديق عباس وجمعة جابر وعبدالرحمن عبدالله والتحق بالاذاعة منتصف الستينات ..وظل معلما حتي اصبح استاذا للموسيقي بجامعة الخرطوم حتي تاريخ وفاته…
……………..
..عبدالقادر سالم ومريم ماكيبا وتيدي افرو وعثمان سمبين …افارقه دخلوا قلوب كل العالم حيث الموسيقي جواز المرور الحقيقي الي القلوب فوق الحدود والجغرافيا والسياسة والاعراق والثقافات…فلا غرو ان رات فيه اليونسكو السفير الحقيقي لتوطيد دعائم السلام المتحركة …
..عبدالقادر سالم نموزج للافريقي المنتج ابداعا وامتاعا ..شهدت له مسارح الدنيا باصالة الانتاج وتفرده وهو يحي لياليها علي مدار عشرات السنين منذ عام ١٩٧٩ الي نهايات عام ٢٠٢٤ حيث اقعده المرض..ومازالت مسارح لندن ..مانشستر.. ووبرشلونه ..وباريس.. وامستردام ..وروتردام ..وواوسلو..واستكهولم..ووبروكسل ..ولوكسمبورغ ..وجنيفا ..وروما بمسارحها السبعة…وكوبنهاجن ..ومسارح الاولمب في اثينا ..وهلسنكي وهو اول فنان عربي يغني في مسرحها الاوبرالي ..اما فيينا عاصمة باخ وموتسارت وبتهوفن فقد كانت شبه موطن له اذ زارها ( خمس وعشرين مرة وغني واحيا فيها سبع وثلاثين حفلة موسيقية كاملة ومعه احيانا فرقة الفنون الشعبية…)…
..رحم الله استاذنا الدكتور عبدالقادر سالم فقد تمدد وملا الدنيا فنا …ففي طوكيو فكروا في انشاء تمثال له الا انه رفض قائلا: انا مسلم وارفض التماثيل…اما في كوريا الجنوبية فقد منحته جامعة سيول لقب المبدع الافريقي الخلاق ..وتشهد مسارح ماليزيا وكذلك شنغهاي ونيودلهي وبكين بحضوره الباهر…
اما افريقيا …فتلك قصة اكثر ادهاشا وخلودا..من كيب تاون الي جيبوتي والقاهرة وتونس والجزائر والدار البيضاء ولاغوس وفري تاون ونيروبي واديس ابابا واسمرا حتي اكرا ومدن ليبيا كلها واليمن وبغداد وكل مدن الخليج …
اما في تشاد فعبد القادر سالم هو مؤسس مدارس الموسيقي وباني نهضتها حتي قال الرئيس( دبي ) : ان الفضل في نهضتنا الموسيقية يعود للاستاذ عبدالقادر سالم…وقد رشح ليكون المغني المشارك في حفل افتتاح كاس العالم في جنوب افريقيا ٢٠١٠ لكن ظروفه الخاصة حالت دون ذلك….
اما في الولايات المتحدة وكندا فله حضور مختلف من شيكاغو الي سان فرانسسكو ..يحتاج مني الي وقفة اخري….
……………………….
ظل استاذنا عبدالقادر سالم حاضرا في المشهد الموسيقي العربي خاصة في معاهد الفنون والموسيقي ولما لا وقد كان له الفضل في ترسيخ دعائم السلم السباعي للموسيقي العربية مع استاذه (العاقب محمد حسن) اذ قدم الفنون والموسيقي الكردفانية الي العالم خاصة ايقاع المردوم المسجل في معهد الموسيقي العالمي في فيينا كايقاع افريقي عربي خاص…
ونال اكثر من جائزة ووشاح في مهرجانات تونس والجزائر ومعهد ااموسيقي العربية في القاهرة كرائد وباحث في السلم السباعي….وكان الباحث الموسيقي العالمي ( الدكتور جمعة جابر )قد وصف عبدالقادر سالم بالموسيقي الشامل ..وكان هذا ايضا راي الباحثين الموسيقيين ديفيدا راي البريطاني وموسي تراوري السنغالي….
وكتبت عنه مجلة هنا لندن التابعة للbbc اكثر من مقال بل وخصصت عددا كاملا عنه وهو ما لم يحدث مع اي فنان عربي وخاصة بعد فوز اغنيته الشهيرة ( جيناك )بجائزة اغنية العام في مسابقتها السنوية وهي مكانة لم تصل اليها اي اغنية عربية
…………….
الدكتور عبدالقادر سالم نال العديد من الجوائز والاوسمة والشهادات داخل وخارج السودان مثل وسام الاداب والعلوم عام ١٩٧٦ وجائزة الدولة وجوائز في مهرجانات برشلونة للسلام ومهرجان الشرق بالسويد ومهرجان لندن وتونس والجزائر ….الخ….
…………………………
ويسافر عبدالقادر سالم احد اهم روافد ورواد الموسيقي ببلاد السودان الحبيبة ..هو الموسيقي الذي مزج بين السلمين الخامس والسابع ليؤكد تنوع انتاجنا الموسيقي وتفرد شخصيتنا الموسيقية وهضمها للابداع الموسيقي العربي والافريقي..
وقد تنوع انتاجه الموسيقي بين التراث والحداثة واغنية الريف والمدينة والوسط والغناء الوطني الفصيح ..وظل دائم الحضور في كل المناسبات القومية والجامعات والمهرجانات الداخلية والخارجية والعالمية خاصة ..اذ ظل يحي اكثر من عشر حفلات سنوية في اوربا وامريكا وكندا واسيا بالاضافة الي افريقيا والدول العربية منذ عام ١٩٧٩ وحتي تاريخ وفاته …. وظلت اغانيه مثل بسامه والدهباية وليمون بارا واللوري وكردفان والايقونة جيناك ….الخ تسمع في المسارح العالمية والمطاعم والطائرات والسيارات في دول العالم…وحافظ بقدرة فائقة علي علاقاته الحميمة مع كل الوان الطيف السياسي والثقافي ومع كل القبائل والاعراق والاثنيات ولم يحدث ان هوجم من اي جهة كانت …وظل محل احترام وتبجيل وتوقير في كل محفل ودولة ومدينة داخل وخارج السودان ..وقد نال احترام الكل خاصة زملائه الفنانين حتي اصبحوا لا يرون في اتحادهم شئ اذا لم يكن عبدالقادر سالم ضمن اعضاء لجنته التنفيذية ..وكان الفنان الاسطوري محمد الامين يري فيه فنانا ملهما ..كما ان عبدالقادر سالم هو صاحب فكرة ادماج كل المكونات الموسيقية في اتحاد واحد ..وظل دائما يدعم الفنانين الشباب ويمنحهم شهادة الممارسة الموسيقية ..وحافظ علي قدر رفيع من الود والهدوء في علاقة الاتحاد بانظمة الحكم المختلفة حتي وصفه الامام الصادق المهدي ( بالفنان الحكيم)
كما لعب دورا كبيرا في تطوير معهد الموسيقي والمسرح اداريا وعلميا وان كان جهده في مجال انشاء اكاديمية للفنون مستقلة اسوة بمعهد فيينا التاريخي…لم يثمر الا ان هذا الجهد يشكل رصيدا لموسيقيي المستقبل لمواصلة المسيرة الموسيقية….
……………………….
..رحل الدكتور عبدالقادر سالم ..مخلفا ارثا يصعب الاحاطة به ..لكنه منح القادمين والعابرين بريق امل …
تبكيك رمال كردفان …
ويبكي الهشاب والضان والغبيش والبنو ..
يبكي عليك الشباب والشابات والطيور وصقر الجديات والدلنج وجبل الدائر والابيض الحبيبة والمردوم وعجيلة وام بادر والجراري والحسيس والسيرة والتوية …وتوب الصعيد وبقيرتي وجقلة وضواحي النهود والاضية صقع الجمل وشباب بابنوسة وليمون بارا والكمبلا وبنات النوبة والدوبيت ولحاية التبلدي وكل ام سعين….وكل قري ومدن السودان والخواجات والزنوج …
تبكي عليك لان حضورك كان يمنحها الامل ويقتل فيها الخوف من بندقية الدعم السريع….
……………
الهي العظيم ..هذا عبدك وحبيبك وحبيب المصطفي ( ص) ومادحه ..عبدالقادر سالم ..قد جاءك يحمل كثيرا من الخطايا والدعاء والامل والرجاء وحب الناس البسطاء ودعائهم …فسعه برحمتك وانت ارحم الراحمين ..وانت عظيم الرجاء واسع المغفرة ..تحب العفو فاعفو عنه واستره لانك خير من اهله ومحبيه …
…والحمدلله …
…………………………..
عارف حمدان
الثلاثاء ١٦ .١٢. ٢٠٢٥

الرؤية برس

في الرؤية برس، نحن أكثر من مجرد موقع إخباري. نحن منصة إعلامية مستقلة نطمح إلى تقديم تغطية دقيقة، شاملة، وموثوقة للأحداث التي تمس حياتك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى