أخبار

الخرطوم… عام جديد بثوب العافية

الرؤية برس ـأسمهان خفاجة

لم تطأ قدماي الخرطوم منذ اندلاع الحرب التي شنتها مليشيا آل دقلو على الوطن، مستهدفة الإنسان والهوية والمكان. عدتُ إليها هذه المرة ضمن وفد إعلامي، بمرافقة كريمة، يقوده نائب رئيس الاتحاد العام للصحفيين السودانيين، وبرفقة ثلة مقدّرة من اساتذتي وزملائي أصحاب الأقلام الحرة والرأي المسؤول قادمين من مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية المؤقتة يدفعنا الحنين وتحملنا الاشواق . كانت عودة مثقلة بالأسئلة، لكنها انتهت بإجابات تفيض أملاً وتبعث الطمأنينة في النفس.

وجدنا الخرطوم تتعافى، تمسح جراحها بإصرار وثبات، بفضل تضحيات وجهود لجنة إعادة الإعمار برئاسة الفريق ركن مهندس إبراهيم جابر، عضو مجلس السيادة الانتقالي، وبقيادة ميدانية واعية من والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، الذي ظل حاضراً في تفاصيل الولاية، متابعاً، متقدماً الصفوف، يعمل بصمت وعزم لإعادة رونق العاصمة وخدمة أهلها الذين اثروا البقاء فيها، رغم التدوين والانتهاكات التي مارستها المليشيا الغادرة في حقهم.
لقد مثّلت تلك الانتهاكات خرقاً فاضحاً لكل معايير أخلاق الحرب وآداب الاشتباك؛ إذ دُمّرت المنشآت الحيوية، وحُوّلت مساكن المدنيين إلى مواقع للقناصة، واحتُلّت المستشفيات، في سلوك لا يمت للقيم الإنسانية بصلة. ومع ذلك، لم تنكسر الخرطوم، ولم ترفع الراية البيضاء.

عادت الحياة إلى العاصمة بصورة مذهلة وسريعة، عودة لم تكن لتتحقق لولا تضحيات شهداء الواجب في معركة الكرامة، الذين كتبوا بدمائهم ملحمة الصمود والعزة. كان المشهد العام يقول بوضوح: هذه مدينة تعرف كيف تنهض من تحت الركام، وتحفظ كرامتها، وتعيد ترتيب أولوياتها بثقة.
وفي سياق هذه العودة، تشرفت بحضور تدشين نشاط الاتحاد العام للصحفيين السودانيين بداره، والمشاركة في أول اجتماع يعقد عقب استعادة النشاط، في مشهد حمل دلالات عميقة على عودة المؤسسات المهنية ودورها الطبيعي في معركة الوعي وإعادة البناء. كما شهدنا افتتاح عدد من المنشآت، إلى جانب فعاليات متنوعة جاءت ضمن البرنامج المصاحب لاحتفالات البلاد بالذكرى المجيدة للاستقلال، لتؤكد أن عجلة الحياة قد دارت من جديد.
جاء هذا العام مختلفاً؛ فقد احتفلت الخرطوم بذكرى الاستقلال احتفالاً استثنائياً من داخل البرلمان، ذلك الصرح الذي شهد قبل سبعين عاماً الإعلان التاريخي للاستقلال من تحت قبته. احتفال حمل رمزية قوية مفادها أن الدولة باقية، وأن مؤسساتها صامدة، وأن التاريخ الوطني لا ينقطع مهما اشتدت المحن.

التحية للقوات المسلحة السودانية، ولكل المكونات المساندة في معركة الكرامة، الذين جعلوا من المستحيل ممكناً، وبعد أن ظن البعض أن اليأس قد تسلل إلى النفوس، عاد الفأل من جديد.
نعم، حتماً نعود كما يريد هذا الشعب الصابر…
سنعود، ونسرج خيلنا، ونمضي بثبات نحو غدٍ يستحقه السودان.

الرؤية برس

في الرؤية برس، نحن أكثر من مجرد موقع إخباري. نحن منصة إعلامية مستقلة نطمح إلى تقديم تغطية دقيقة، شاملة، وموثوقة للأحداث التي تمس حياتك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى