
بين السطور…. هيثم الريح يكتب / مليشيا الإحتيال تستهدف التعليم(مداد التعليمية نموذجا) (1)
التعليم ليس ركناً من أركان المجتمع فحسب بل هو الركن الوحيد الذي إذا انهار فلن تقوم للدولة قائمة، ولن يُجدِيَ بناءٌ فوق أنقاض الجهل
في السودان حيث تستهدف النيران كل شيء صباح مساء، يظل الأمل معقوداً على الأجيال القادمة المتسلحة بالعلم لتعيد بناء ما دمرته الحرب ولكن ماذا لو كان الاستهداف قد تحول إلى العلم نفسه؟
إلى المؤسسات التي تمنحه والأوعية التي تحمله؟
الأسئلة لم تعد فلسفية فالأحداث على الأرض تجيب بصوت مرعب
فجأة لم نعد نطالع أخبار القصف والاشتباكات فقط بل أخباراً عن استهدافٍ من نوعٍ آخر للعملية التعليمية
خبرٌ عن مؤسسة سودانية في الخارج تمارس الاحتيال على الطلاب وذويهم
وآخر عن أستاذ جامعي يرفع راية الاستقالة احتجاجاً على تدليس وتزوير في الشهادات (مسكوت عنه)
ثم تأتي الصفعة الأكثر وضوحاً محتالون ينصبون شراكهم على (مؤسسة مداد التعليمية) إحدى كتائب الصمود في وجه الحرب، مهددين مستقبل آلاف الطلاب الممتحنين عبر خدماتها الإلكترونية
فإلى أي وضع وصلنا؟
لنتوقف عند حالة (مداد) فهي نموذجٌ مضيءٌ على التحدي المزدوج في خضم الحرب التي استهدفت وجود الدولة نفسها
انتهجت هذه المؤسسة منهجاً تعليمياً متطوراً عبر بوابة إلكترونية مشكِّلةً شريان حياة للتعليم.
لقد طرحت سبل المواكبة للتعليم الافتراضي لكل أبناء الشعب السوداني، بترخيص وإشراف من وزارة التربية والتعليم. كانت تجربةً أكاديمية متطورة، تمثل الأمل في الحفاظ على استمرارية التعلم رغم الدمار.
وقد أسست أيضا نموذجا متفردا في إنشاء مركز للتعليم الحضوري بولاية كسلا
لكن يبدو أن نجاحها في تحدي الظروف الصعبة جعلها هدفاً. فقد تم استهدافها باحتيال وسرقة ما دفَعها إلى عقد مؤتمر صحفي لبسط الحقائق للرأي العام في خطوة هي أقرب إلى صرخة إنذار من عملية تقليدية
السؤال الذي يفرض نفسه ما الفرق بين هذا المحتال وأعوانه، والمليشيات المتمردة التي تستهدف البنى التحتية؟
كلاهما يهدف إلى تدمير مقومات الحياة المستقبلية للبلاد الأول يهدم بالحديد والنار والثاني يهدم بالغش والكذب وسرقة المستقبل الفردي والجمعي.
هذه الحادثة ليست معزولة بل هي عَرَضٌ لمرضٍ أعمق يتفشى في جسد المنظومة التعليمية السودانية
استقالة الأستاذ الجامعي ليست إلا مؤشراً على وجود (ثقوب سوداء) داخلية تسمح بمرور الشهادات المزورة مما يقوض قيمة العلم نفسه ويحول المؤسسات التعليمية من مصانع للعقول إلى خطوط إنتاج لورق لا قيمة له.
الاحتيال من خارج القطر يكمل هذه الدائرة، مقدماً (خدمات) تدميرية تلبي طلباً ناتجاً عن يأس وضعف رقابة.
ما يحدث هو جريمة ضد مستقبل السودان. وهو يستدعي وقفة لا من الإعلام وحده، بل من كل مكونات المجتمع السوداني
لقد قامت (مداد) بدورها في الصمود والابتكار والآن جاء دور المجتمع ليُشكِّل حائط صد وحماية لهذا الركن الأهم. على النقابات المهنية والمنظمات الطلابية والأساتذة، والخبراء القانونيين، والمجتمع المدني، وكل مواطن غيور، أن يتحول إلى ( درع دفاع) عن التعليم.
الرقابة المجتمعية والإبلاغ عن حالات النصب والمطالبة بالشفافية في منح الشهادات ودعم المؤسسات الجادة مثل (مداد) هي الآن أعمال مقاومة وطنية. مقاومة ضد من يسعون لحرمان الأجيال القادمة من سلاحها الوحيد لبناء الغد سلاح المعرفة الحقيقية.
الرهان الحقيقي لأمتنا السودانية كان ولا يزال على التعليم. لكن هذا الرهان لن يربح نفسه بنفسه. الحرب على الأرض قد تدمر المباني، ولكن الحرب على العقل تدمر الأحلام والقدرة على إعادة البناء. حماية التعليم من (مليشيات الاحتيال) هي المعركة التالية التي يجب كسبها. لأن الدولة التي يُستهدف تعليمها، هي دولة يُستهدف وجودها في الخريطة المستقبلية للعالم
آخر السطور
على وزارة التربية والتعليم إيجاد حلا توافقياً يضمن سلامة الإجراءات القانونية والإدارية التي إلتزمت بها مؤسسة مداد والتوافق على شكل إجرائي اكاديمي يُخرج الجميع من هذه المعضلة .
ونعود



